سيد محمد طنطاوي

333

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أحوالهم لكي تحذروهم ، وسيحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم ، وسينزل بهم ما يستحقونه من عذاب مهين . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من أراجيفهم وأكاذيبهم التي قصدوا من ورائها الإساءة إلى المؤمنين ، والتشكيك في صدق تعاليم الإسلام فقال - تعالى - : * ( الَّذِينَ قالُوا لإِخْوانِهِمْ وقَعَدُوا ، لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ) * . أي أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بما ارتكبوه من جنايات قبيل غزوة أحد وخلالها ، بل إنهم بعد انتهاء المعركة قالوا لإخوانهم الذين هم مثلهم في المشرب والاتجاه ، : قالوا لهم وقد قعدوا عن القتال : لو أن هؤلاء الذين استشهدوا في أحد أطاعونا وقعدوا معنا في المدينة لما أصابهم القتل ، ولكنهم خالفونا فكان مصيرهم إلى القتل . ويجوز أن تكون اللام في قوله « لإخوانهم » للتعليل فيكون المعنى : أنهم قالوا من أجل إخوانهم الذين استشهدوا في غزوة أحد ، لو أن هؤلاء الذين قتلوا أطاعونا ولم يخرجوا لبقوا معنا على قيد الحياة ، كما هو حالنا الآن ، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحنا وخرجوا للقتال فقتلوا . وعلى كلا التفسيرين فقولهم هذا يدل على خبث نفوسهم ، وانطماس بصيرتهم وجهلهم بقدرة اللَّه ونفاذ إرادته ، وشماتتهم فيما حل بالمسلمين من قتل وجراح يوم أحد . ولذا فقد رد اللَّه عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويدحض قولهم ، ويكشف عن جهلهم وسوء تفكيرهم فقال - تعالى - « قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين » . أي قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم الفارغة : إذا كنتم تظنون أنكم دفعتم عن أنفسكم الموت بقعودكم في بيوتكم ، وامتناعكم عن الخروج للقتال ، إذ كنتم تظنون ذلك * ( فَادْرَؤُا ) * أي ادفعوا عن أنفسكم الموت المكتوب عليكم ، والذي سيدرككم ولو كنتم في بروج مشيدة . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة الرد عليهم بما يبطل أقوالهم عن طريق الحس والمشاهدة ، وذلك ببيان أن القعود عن الجهاد لا يطيل الحياة ، كما أن الخروج إلى ساحات القتال لا ينقص شيئا من الآجال ، فكم من مجاهد عاد من جهاده سالما ، وكم من قاعد أتاه الموت وهو في عقر داره . فزعم هؤلاء المنافقين بأن أولئك الذين استشهدوا في أحد لو أطاعوهم ولم يخرجوا للقتال لما أصابهم القتل زعم باطل ، وإلا فإن كانوا صادقين في هذا الزعم فليدفعوا عن أنفسهم الموت الذي سينزل بهم حتما في الوقت الذي يشاؤه اللَّه . ولا شك أنهم لن يستطيعوا دفعه فثبت كذبهم وافتراؤهم .